خليل الصفدي
179
أعيان العصر وأعوان النصر
السلطان إلى ما قصده ، وعجّل له الأمر الذي رصده ، فلازم بيته آناء الليل وأطراف النهار ، ويعمل على خلاصه في غد إذا وقف على شفا جرف هار ، إلى أن حان مصرعه ، وآن من ورد المنية مكرعه . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في يوم الاثنين الثامن عشر من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ، ودفن بالمزة . وكان الأمير تنكز - رحمه اللّه تعالى - قد ولاه تدريس المدرسة القايمازية ، بعد وفاة الشيخ رضي الدين المنطيقي « 1 » في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ، فكتبت أنا توقيعه بذلك ، ونسخته : الحمد للّه الذي جعل عماد الدين عليا ، وأيّد شرعه المطهر بمن رقى بعلمه سموّا ، وأصبح للوصي سميا ، ورفع قدر من إذا كان في حفل همى ندى وحنى نديا ، وهدى الناس بأعلام علمه التي إذا خفقت كم هزمت كميا ، وقادت إلى الحق أبيا . نحمده على نعمه التي جعلت العلماء للأنبياء ورثة ، وأقامت بهم الحجة على من نكب عن الحق أو نقض الميثاق ونكثه ، ونفت بهم شبه الباطل عن الدين القيم كما ينفي الكير خبثه ، وجعلت كل حبر منهم إذا نطق في المحافل جاء بالسحر الحلال من فيه ونفثه . ونشهد أن لا إله إلا اللّه ، وحده لا شريك له ، شهادة ندّخرها في الميعاد خير عدة ، ونأمن بها يوم الفزع الأكبر إذا ضاق على الناس خناق الشدة ، ونجدها في الصحائف نورا يضيء لنا إذا كانت وجوه الذين كذبوا على اللّه مسودّة ، وتجعل أيدينا على قطاف ثمار الرحمة ، وجني غصونها ممتدة . ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، خير من هدى الخلق ببرهانه ، وأشرف من قضى بين الناس بالحق وفرقانه ، وأعزّ من دفع في صدور البلغاء بنان بيانه ، وأكرم من أطلق في ملكوت اللّه ، صلّى اللّه عليه وعلى آله ، وصحبه الذين رووا لأوليائهم السّنة ، ورووا من أعدائهم الأسنّة ، وأضحت طريقهم لطالب هدية الهدى مطية المظنّة ، وأمسوا حربا لحزب الشيطان الذين جعل اللّه في آذانهم وقرا ، وعلى قلوبهم أكنّة ، صلاة تطلق جياد الألسنة في ميدانها الأعنّة ، وتبلغهم أمانيهم التي بايعهم عليها بأن لهم الجنة . وبعد ، فلما كان العلم الشريف هو للدين حافظ نظامه ، وضابط أحكامه في حلاله وحرامه ، بنشره يطيب نشر الإيمان وأرجه ، ويتسع من صدر الجاهل بأحكام ربه تعالى ضيقه وحرجه ، والعلماء هم الذين يرعون سوامه ، ويراعون ويقدمون على منع من يتعدى
--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها .